محاولة يائسة لداعش لإعادة تأكيد أهميته في سوريا

سعى المتحدث باسم داعش، أبو حذيفة الأنصاري، في رسالة صوتية نادرة وواسعة النطاق تم إصدارها في 21 فبراير 2026، إلى إظهارأهمية الجماعة في سوريا، داعيًا إلى الجهاد ضد حكومة أحمد الشرع واستغرق الخطاب بعنوان « قد تبين الرشد من الغي» 35 دقيقة وأطّر المتحدث الحكومة السورية كـ«مرتدين» و«كفار» بسبب ما وصفه بخضوعها للولايات المتحدة، بينما وضع داعش كالكيان الوحيد الملتزم بـ«الجهاد الحقيقي» والشريعة

قبل ذلك، كانت آخر رسالة قيادية صادرة عن داعش في مارس 2024 تحيي الذكرى السنوية العاشرة لإعلان «الخلافة» المعلنة ذاتياً لكن منذ ذلك الحين ظلّت الجماعة صامتة إلى حدّ كبير، معتمدةً على صحيفتها الأسبوعية «النبأ» لنشر سردٍ دفاعي ومتشقق بشكل متزايد.

تأتي هذه الرسالة في ظل تصاعد الصعوبات التي انهكت داعش في سوريا، حيث واجهت الجماعة انتكاسات كبيرة منذ صعود هيئة تحرير الشام (HTS) إلى السلطة في ديسمبر 2024. مع ذلك، فإن هذه الدعوات العلنية لتأكيد أهميته في سوريا تتناقض مع أفعال التنظيم في السنوات الأخيرة. إنخفض نشاط داعش في سوريا والعراق (قلب خلافتها السابقة) بشكل حاد في عام 2025 وإن معظم الهجمات والنشاطات عُزِّيت إلى فروعها الأفريقية، وانعكس هذا بوضوح في «النبأ» مما أثار استياء عناصر الدعم عبر الانترنت للجماعة، الذين اتهموا بعضهم داعش بالتخلي عن الخلافة.

نداء إلى رفع السلاح ضد الحكومة السورية

أعلن الأنصاري أن خوض الجهاد ضد الحكومة السورية وجيشها يُعد «أولوية قصوى»، محثًا المقاتلين على تكثيف جميع الجهود نحو هذا الهدف ورفض الفكرة أن القتال في سوريا قد انتهى، معلناً أن دخول البلاد «فصلاً جديدًا» من الصراع وسيستمر «حتى يوم القيامة«. فقد أثار المتحدث نبؤات آخر الزمان، مشيرًا إلى معارك دابق والمنارة البيضاء في دمشق، اللتين كانتا لطالما محوريتين في أيديولوجية داعش ويُظهر هذا الخطاب محاولة الجماعة إحياء سردها عن إقامة خلافة عالمية لا مفر منها، رغم تراجعها الحالي.

“قد تبين الرشد من الغي”

أفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» مؤخراً أن مسلحين من داعش قتلوا أربعة من أفراد الأمن الحكومي في شمال سوريا يوم الاثنين 23 فبراير، في هجوم وُصف بأنه الأكثر عنفًا شنته الجماعة ضد قوات الدولة منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد وهذا في حد ذاته يُقوِّض سرد الجماعة بما أنه يُصنَّف هذا الهجوم الذي قتل 4 أشخاص فقط كأعنف هجوم نفذته داعش خلال أكثر من سنة كاملة. بينما قد تُمجِّد الجماعة في الدعاية العامة هذا الإنجاز، فإن قيادة داعش قد تتساءل عن ما يحدث في قلب خلافتها السابقة. أدت الضربات الجوية المتزايدة إلى إهلاك كوادرقيادته في المنطقة وأثبتت قوات الأمن فاعليتها في اعتقال أعضاء داعش وإحباط عمليات مخطط لها. يبقى السؤال: ما الدافع هذا الأن؟ و هل هذه المنظمة إلى هذا الاتجاه؟

توجد عدد الاسباب لهذا: انتقال مقاتلين التنظيم وقاده إلى مسارح حربية أخرى مثل أفريقيا، يرجع ذلك إلى ممارسات أمنية الأمنية الضعيفة ام ببساطة، أو ربما تم اختراق الجماعة من قبل أجهزة الأمن السورية إلى حد لم تعد فيه فعالة؟

أدت الضربات الجوية المتزايدة إلى إهلاك كوادرقيادته في المنطقة

رد الحكومة السورية

في يوم الثلاثاء 24 فبراير، صرح وزير الداخلية السوري أنس خطاب أن قوات الأمن متيقظة وتقوم بعمليات تتبع وتعطيل العمليات الإرهابية المرتبطة بداعش التي تسعى لزعزعة واستقرار البلاد. وفي منشور على منصة إكس، حذر خطاب من أن “مجرمين- ومن بينهم فلول النظام السابق وميليشياته، وخلايا داعش ومناصرينه- يستهدفون استقرار المنطقة بشكلا استمراراً، سواء كانت في الجبال الساحلية أو السهول الشرقية أو المحافظات الثلاث”.

قوات الأمن مستعدة لتعقب وتعطيل العمليات الإرهابية

وأضاف أن الوزارة كانت تقوم بمداهمات على مخابئ لداعش، وملاحقة فلول الجماعة والقبض على مرتكي الجرائم المرتبطة بالنظام السابق. كما أعلن خطاب “لن نتوقف عن مواجهة أي تهديد لأمن وطننا وشعبنا في كل أنحاء الوطن”. وفقا للوزير, تحاول داعش الان إضعاف الانجازات التي احققت في شرق البلاد من خلال استغلال الشباب المحبط, خاص بعد أن احتفل السكان المحليين بعودة الامن والاستقرار. واختتم الوزير مدحا لابطال وزارة الداخلية, مشبراً إلى أن “المتابعة الدقيقة لجميع الانشطة الإرهابية تظهر كل يوم أنهم درع الوطن, يضحون بالغالي والنفيس ليعيش المواطن بأمن وسلام”.

استغلال الاستياء والدعوة إلى الانشقاق

سعى داعش في الخطابه الأخير إلى استغلال الاستياء السائد بين صفوف المجاهدين والمتطرفين الإسلاميين في سوريا، داعياً الفصائل المتنافسة إلى الانضمام إلى صفوفه. وانتقد الأنصاري معاملة الحكومة السورية للسجناء المرتبطين بداعش، وخاصة لاولئك المحتجزين في مخيم الهول، ومتهماً إياها “السخرية” من داعش ومحاولة إظهار التفوق من خلال استغلال هذه القضية .كما وجه الرسالة إلى المسلمين السنة في سوريا حث فيها إياهم ألا “يهدروا تضحياتهم” التي قدموها طوال سنوات الحرب الاهلية من أجل “القومية الديمقراطية بل دعا الانصاري إلى قبول لا شيء أقل من الحكم الكامل “بالشريعة”, مظهراً الموقف الايجيولوجي المتصلب للداعش.

مخيم الهول

نبرة التفاخر والانقسامات الداخلية

تميزت نبرة داعش بالتفاخر بمصير تنظيم القاعدة، التي انحل فرعها في سوريا، .حراس الدين، في يناير 2025. وسخر الأنصاري من تنظيم القاعدة لما وصفه بال”تخلى” عنها من قبل أحمد الشرع, زعيم لحركة تحرير الشام الذي كان مدعوماً من القاعدة قبل أن يقطع صلته بها في 2016 .

كما ابرزت الرسالة الانقسامات الداخلية داخل المجتمع الإلكتروني الموالي لداعش، حيث عبر المناصرين عن خيبة أملهم إزاء فشل الجماعة في تأمين إطلاق سراح سجناءها. إن عجز داعش عن تحرير أعضائه من مخيم الهول (الذي تسيطرة عليه الحكومة السورية الان) أدى إلى تاكل مصداقيته بين مناصرين.

وبينما يعد هذا هو الرد المتوقع من داعش فإن الفشل الجماعة في تحرير الزوجات والأطفال المرتبطين بالجماعة من الهول لا يمكن اعتباره أقل من إحراج كبير وقد ظل هذا الموضوع مصدر إحباط مستمر بين مناصرين داعش

محاولة يائسة لداعش لإعادة تأكيد أهميته في سوريا

على الرغم من خطابها، تشير رسالة داعش إلى مجموعة تواجه مشاكل عديدة وتكافح للحفاظ على نفوذها في سوريا. إن الدعوة إلى الانشقاقات والكلمات حول النقاء الأيديولوجي تشير إلى محاولة يائسة للحفاظ على أهميتها في ظل صعود هيئة تحرير الشام وانخفاض عملياتها

وتجلى ذلك في افتتاحية بصحيفة “النبأ” الأسبوعية التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حيث تسلط الضوء على صراعات النظام المتزايد في منطقة عملياته السابقة. وفي اعقاب انضمام سوريا رسميًا كعضو التسعين في التحالف العالمي والذي يحارب داعش منذ أكثر من عقد ,نُشرت الافتتاحية في 12 فبراير، بعنوان “اللواء 90!”.

لواء 90

وبدلاً من الاحتفال بنصر عسكري، فيبدو أن الافتتاحية تقييم ذاتي ويسلط الضوء على المشاكل المتزايدة التي يواجهها التنظيم الجهادي في سوريا: عدم التجنيد، والمشاكل الداخلية، ومنطقة العمليات. المعادية.بالاضافة الى ذلك فاستغلت الصحيفة الفرصة لإطلاق هجوم على الحكام والمجتمعات المسلمة بدلاً من التركيز على التداعيات السياسية. من وجهة نظر الدولة الإسلامية، أهمل هؤلاء القادة الإسلام وقد تمكنوا بصعود العلمانية والديمقراطية والقومية. وصف المقال التحالف مرارًا وتكرارًا بأنه “تحالف صليبي دولي” يتكون من “الردة والكفر”، مدعيًا أن داعش هو الحامي الوحيد “لطريق الله”.

تُعد الادعاءات الأيديولوجية للافتتاحية مثالًا على محاولة داعش تشويش المشاكل الحقيقية:

مشاكل التجنيد – يسلط المقال الضوء على أهمية الالتزام بالشريعة بهدف إقناع مناصرينها بأنها الحامية الحقيقية للإسلام، برغم عن عدم السيطرة الارضية على مناطق بسوريا.

النزاعات الداخلية في عموم صفوف القيادة – ينتقد النص اثنين من مناصرين مزعومين لداعش، “أبو فراس السوري” و”أبو محمد المقدسي”، ويتهمهما بالنفاق ولاسيماء امر النساء في المخيمات التي يسيطر عليها داعش بتجنب الهواتف، ومع ذلك يقومان ببث مقاطع فيديو يمكن أن تكشف عن نفس النساء في نفس الوقت. يسلط الانتقاد الضوء على الاحتكاكات الداخلية والنضال للحفاظ على الانضباط بين شبكة مجزأة.

المخاوف الأمنية – يحذر تحذير منفصل في نفس العدد من أن استخدام الهواتف الذكية هو “أكبر تهديد” لأعضاء داعش، وكذلك المنصات عبر الإنترنت التي تعتبر “مساحات مفيدة لاستخبارات الحكومات العربية”. يسلط هذا الضوء على معرفة واضحة بأن اتصالات المجموعة أصبحت عرضة للخطر بشكل متزايد، وهي مشكلة أدت إلى سلسلة من الاعتقالات والضربات الجوية على المخابئ المتبقية للمجموعة.

استخدام الهواتف الذكية هو “أكبر تهديد”


عدم الساحات تحت سيطرتها– تخص الافتتاحية إدلب كرمز لفقدان النفوذ الأوسع – ووصفتها بأنها “سلة مهملات” حيث توجد أمثلة كثيرة على “النفاق” و”التقية”، وفي الحقيقة بيئة فاسدة. ونتيجة لهذا البيان، يشير داعش إلى أن نفوذه يتراجع في المناطق التي كان يتمتع فيها بدعم محلي ذات يوم.

التحليل

تقول الدكتورة لينا حداد، كبيرة المحللين في معهد الشرق الأوسط إن: “اصبح موقف داعش دفاعي بشكل متزايد”. عندما ينتقد وكالة الدعاية مؤيدينها بدلاً من الاحتفال بانضمام تحالف، فإن ذلك يشير إلى أن التنظيم يكافح للحفاظ على أهميته بدلا من تبرز إنجازاتها”.

“التنظيم يكافح للحفاظ على أهميته بدلا من تبرز إنجازاتها”



ابرز خبراء الأمن تركيز المجموعة بشان الانضباط الداخلي – خاصة النصائح المتعلقة باستخدام الهواتف – يعكس نمط شوهد سابقًا في حركات التمرد الأخرى المتراجعة، حيث يصبح امن العمليات مصدر قلق رئيسي في ظل تزايد الضغط الخارجي.

مع جهود داعش في التعامل مع الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية، وتوجد شكوك بالنسبة لقدرته مجموعة القيام بعمليات في المستقبل. تسلط رسالة المجموعة الأخيرة الضوء على نيتها المشاركة في النزاع السوري، لكن نجاحها سيعتمد على قدراتها للتغلب على تحدياتها الحالية واستعادة ثقة أتباعها.
لا تسلط رسالة داعش الأخيرة الضوء على مرونة المجموعة فحسب، بل على نقاط ضعفها وهشاشتها في نفس الوقت.

بينما تكافح لتحقيق أهدافها والحفاظ على قدراتها العملية، تواجه المجموعة مستقبلًا غير مؤكد في سوريا وخارجها.
يطرح السؤال التالي: هل يحاول داعش الحفاظ على وجوده في سوريا لصالح صورته العامة أم أن هناك خطة طويلة الأجل لإعادة تأسيس الخلافة في سوريا؟ وكيف تستمر المجموعة في العمل بفعالية في ضوء التسلل المفروض من أجهزة المخابرات العربية؟

Related Post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *